انت هنا : الرئيسية » اخبار » انتفاضة الكرامة الأولى للشعب الأحوازي- مايو 1985

انتفاضة الكرامة الأولى للشعب الأحوازي- مايو 1985

اذا سئلنا شبابنا الأحوازيين عن انتفاضة الكرامة في الأحواز ربما اول جواب يخطر ببالهم هو انتفاضة الكرامة التي حدثت في عام 2018 على أثر انتشار مقطع في التلفزيون الايراني الذي كان يتجاهل الوجود العربي في الأحواز. قد يكون القليل منهم قد سمع عن انتفاضة الكرامة الأولى التي حدثت في عام 1985 على اثر مقال في جريدة اطلاعات الايرانية والهدف منه كان إهانة الشعب العربي الأحوازي والمساس بالهوية العربية لهذا الشعب .

على الرغم من أن هذه الانتفاضة بقيت في الذاكرة الجماعية للشعب العربي الأحوازي، الا انه لم يتم توثيقها والكتابة عنها بشكل تفصيلي، اللهم الّا ما نَدُر. واكتفى الباحثون والنشطاء الأحوازيون فقط بذكر هذا الحراك الجماهيري في قائمة الانتفاضات الأحوازية. حتى المقال الذي على أثره حصلت هذه الانتفاضة لم يتم العثور عليه في المواقع الأحوازية، الأمر الذي لم يشفي غليل الجيل الجديد المتعطش الى المزيد من المعرفة وسرد الأحداث بالتفاصيل. ومن حق شبابنا اليوم إذا سئلوا: ما الذي حصل في تلك الفترة؟ ما فحوى المقال المُهين؟ و ما هي الأهداف وراء نشره؟ كيف كانت بداية شعلة لانتفاضة؟ ما الأخطاء التي حدثت في الانتفاضة؟ لأننا نريد أن نأخذ الدروس منها للحيلولة دون تكرار هذه الأخطاء.

بناء على هذا نحن في التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز و منذ البداية أخذنا على عاتقنا توثيق الأحداث المفصلية في تاريخ نضال شعبنا لإثراء المكتبة السياسية والنضالية لهذا الشعب المظلوم ولكي نقوم بدورنا في تمهيد الطريق لسائر الباحثين والمهتمين لإثراء هذه المكتبة.

وفي خطوة أولى بدورنا، وبعد عناء طويل، قد قمنا بتجميع نُسخ من جريدة اطلاعات لتلك الفترة والمقال المهين الذي نشرته الجريدة وكل الأخبار المرتبطة بالحدث والتي انتشرت في الجريدة نفسها، ونقوم بنشرها هنا ليكون في متناول يد القراء الكرام والمتابعين والمهتمين بالشأن الأحوازي. وحسب علمنا ان هذا التوثيق يحصل لأول مرة منذ 35 عاماً لاندلاع انتفاضة الكرامة الأولى.

في القسم الأول نتناول شرحاً مبسوطاً للمقال المُهين و الأحداث التي تلته حسب الأخبار المنتشرة في الجريدة. وفي المرحلة التالية ننشر مقابلة مع أحد النشطاء المشاركين في الاحتجاجات والذي أجراها قسم الدراسات في التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز. ونؤكد لكل من لديه معلومة، أو شرح لتفاصيل تلك الفترة، أو نقداً، أن باب الكتابة في موقعنا مفتوح لكل من أراد أن يساهم في هذا المجال.

القسم الأول:

 في يوم الأحد 5 مايو 1985 المصادف (١٥ ارديبهشت عام ١٣٦٤) أهانت صحيفة اطلاعات الايرانية وبشكل حاقد ولاذق الهوية العربية للشعب الأحوازي من خلال صفحة خاصة بالصحيفة خصصت لهذا المنظور زاعمة من خلالها دراسة تاريخ الأحواز.

فی هذا العدد الخاص لهذه الصحيفة الحكومية ألتي تعكس الموقف الرسمي للنظام الإيراني انتشرت مقالة تاريخية حول تاريخ الأحواز. هذه الصحيفة نشرت المقال في صفحتها الأولى تحت عنوان “اهواز في الماضي والحال” والتي تراجع تاريخ الأحواز من وجهة نظر الحكومة المركزية الإيرانية. كاتب هذا المقال غير معروف وفي نهاية المقال في الصفحة 2 ، تم تعريف الكاتب تحت عنوان “مراسل جريدة اطلاعات في الأهواز”.

eh1

وفقًا لهذا المقال ، فإن الأحواز مدينة إيرانية وينسب تاريخ إنشاء الأحواز إلى السلالات الإيرانية مثل الأشكانين. كما توجد قبائل مختلفة مثل اللور والبختيارية وعدد من القبائل العربية فيه. كانت مدينة الأحواز أيضًا بلدة صغيرة ، ولا يوجد لها تاريخ محدد غير ما أسمته الجريدة المقابر الزرادشتية ، وهي مقابر على شكل سرداب في جزء من جبال الأحواز الشرقية. هذا النوع من تدوين التأريخ، والذي ينسج الماضي الوهمي في الحاضر ليقدمه كحقيقة مطلقة ، ليس شيئاً جديدا عند النظام الايراني حيث أن الأنظمة الايرانية المتعاقبة معتادة على تزوير التاريخ وقلب الحقائق بالطريقة التي تخدم أهدافها العنصرية والاحتلالية. لكن هذه ليست القصة كلها، جريدة اطلاعات لم تكتفي بنشر المواضيع التاريخية الكاذبة فحسب، بل إنما من خلال تعريفها للعرب الأحوازيين كأقلية أو “غجر” ، فقد استهدفت هوية الشعب العربي الأحوازي وكانت تنوي إهانة الشعب العربي الأحوازي بشكل مباشر. من ضمن ما جاء في المقال الجملة التالية:

*قبيلة الغجر العربية من قبيلة القراجي ومنتشرة في مناطق خوزستان(الأحواز)، مهنتهم الرقص وما إلى ذلك*

eh2

صفحة أخرى من الجريدة

قبل أسبوع من هذه الإهانة ، في 28 أبريل/ نيسان 1985 ، نشرت جريدة “اطلاعات” افتتاحيتها في سياق متصل في محاولة تمهيدية للهجمة العنصرية ضد العرب الأحوازيين. في النص المعنون بـ”افتتاحية الأسبوع”، ذكرت الجريدة فيه وبشكل غير مباشر؛ ان الغجر الذين عاشوا مع الشعب العربي في أحد أحياء الأحواز، بأنهم عرب وحاولت بهذا المقال إلحاق رقعة الغجرية (الكواولة باللهجة الأحوازية الدارجة) بالشعب العربي الأحوازي. هذه المرة أيضًا ، كاتب المقال غير معروف ولم يذكر له أي اسم سوى عنوان “مراسل جريدة اطلاعات في الأحواز”.

 

eh8

 

سرعان ما انتشرت إهانات هذه الصحيفة، التي تديرها الدولة الإيرانية، في جميع مدن الأحواز ووصلت إلى الجمهور وبعد ساعات فقط من علم الناس بهذه الإهانة ، أدرك المسؤولون المحليون الغضب السائد لدى الشعب العربي الأحوازي. حيث أن موضوع المقال بات حديث الناس في الشوارع و البيوت والكل بدأ يتساءل عن مواقف هذه الصحيفة الحكومية. الأمر الذي دفع المسؤولين المحليين في اليوم التالي إلى إصدار أمر بجمع نُسَخ صحيفة اطلاعات من كافة المدن الأحوازية.

لكن هذه الخطة لم تفي بالغرض حيث قامت الخلايا الناشطة من الشباب العربي باستنساخ وتوزيع المقال ونشره على نطاق واسع في مختلف مناطق الأحواز.

بعد أن علمت الجماهير الأحوازية بفحوى المقال الذي يحتوي على إهانة الحكومة الإيرانية للشعب العربي الأحوازي سادت حالة من الغضب والامتعاض في الأوساط الأحوازية. غضب الناس أصبح واضحا في مدن مختلفة من الأحواز خاصة في مدينة الأحواز العاصمة.

لقد تم تشكيل مجموعات سِرّية من قبل النشطاء الأحوازيين للتنسيق فيما بينها واتخاذ قرار جماعي بشأن هذا المقال المهين. أصدرت هذه المجموعات بياناتٍ تدعوا من خلالها الجماهير الأحوازية الى إقامة مظاهرات احتجاجية ضد هذه الإساءة التي اعتبروها خطة النظام برمته.

بعد ثلاثة أيام من نشر هذا المقال المهين ، اندلعت مظاهرات كبيرة في ساحة منطقة ارفيش (لشكراباد) في الأحواز ، واستمرت هذه المظاهرات باتجاه حي الثورة (علوي) ومناطق أخرى في الأحواز. منذ بدء المظاهرات حوالي الساعة العاشرة صباحًا وحتى منتصف ليل ذلك اليوم ، كانت مدينة الأحواز مسرحاً لإطلاق النار من قبل قوات الحرس الثوري الإيراني والباسيج وعناصر الاستخبارات الذين كانوا يرتدون الزّي المدني، تجاه المتظاهرين الأحوازيين العُزّل. خيّم الغاز المسيل للدموع ورائحة الإطارات المحترقة على مدينة الأحواز وانتشرت قوات الأمن في جميع الشوارع والأزقة. كانت الحافلات تجوب شوارع المدينة بينما كانت تقل المئات من المعتقلين العرب.

سرعان ما امتدت مظاهرات الشعب العربي الأحوازي ، التي عُرفت فيما بعد باسم “انتفاضة الكرامة الأولى” ، إلى مدن مختلفة في الأحواز لتستمر نحو عشرة أيام. بالإضافة إلى مدينة الأحواز ، امتدت هذه المظاهرات إلى مدن مثل الخفاجية والحميدية والسوسة ورامز وتستر. و في نهاية الأمر ولتفادي حالة الاحتقان الشعبي اضطرت سلطات الإقليم ومرتكبو هذه الإهانة إلى الاعتذار.

بعد أسبوع من نشر صحيفة اطلاعات الإهانات للشعب العربي واندلاع الاحتجاجات الشعبية وتوسعها وانتشارها في مدن الأحواز المختلفة وخلال أيام الحرب الإيرانية-العراقية، وكلنا نعرف المناخ الأمني ​​السائد على عموم الأحواز وجغرافية ايران، كررت صحيفة اطلاعات عنوانها المهين لتعتذر كذبا ونشرت اعتذارها الخبيث.

وكالعادة، للتستر على هذا الحراك الشعبي لامتصاص غضب الجماهير العربية، قام مسؤولو النظام الإيراني بإخراج عناصر الباسيج المنتمين للنظام في مظاهرة وسط مدينة الأحواز ورددوا هتافات تندد بالإهانة للشعب العربي وفي نفس الوقت تدين عناصر “العدو” حسب زعمهم. لكن بعد القمع الوحشي للمتظاهرين العرب واعتقال الآلاف منهم، كان واضحا للشعب العربي الأحوازي ان هذه المظاهرات لمرتزقة نظام الملالي لا تعدوا سوى ضحك على الذقون.

العديد من المسؤولين في الحكومة الإيرانية ، من خلال الإدلاء بتصريحات مشيدة “بوطنية” العرب والدفاع عن الثغور، وصفوهم بالعشائر الغيورة ، وبالتالي حاولوا تهدئة الأوضاع وامتصاص الغضب في الأحواز.

eh7

 

eh6

 

ان رد فعل شعبنا في تلك الفترة على خلفية إهانة جريدة اطلاعات للشعب العربي الأحوازي وفي ذروة الأجواء الخانقة والأمنية للحرب، وإشعال انتفاضة كبيرة لا تُنسى في تاريخ نضال الشعب العربي الأحوازي، تُعتبر حلقة ونقطة عطف هامة في تاريخ النضال ضد سياسات الحكومة المركزية الإيرانية في مصادرة هوية وتاريخ الأحواز. خاصة وكانت تفصلها ستة أعوام عن انتفاضة شعبنا في مدينة المحمرة في عام 1979. ونعتقد أن نشر هذا المقال المهين في شهر مايو لن يأتي من باب الصدفة، بل قد تكون له دلالات أمنية واستراتيجية حيث جاء نشر المقال في نفس شهر مايو، الشهر الذي حدثت فيه مجزرة الأربعاء السوداء في 1979، والتي راح ضحيتها أكثر من خمس مائة من أبناء شعبنا في مدينة المحمرة الباسلة.

لقد حالت الحرب والأجواء الأمنية في تلك الفترة دون تدوين تفاصيل هذه الانتفاضة الكبرى وبقيت فقط في الذاكرة الجماعية للشعب العربي الأحوازي. ولكن إن تدوين و توثيق تفاصيل أحداث هذه الانتفاضة الجماهيرية تُعد مسؤولية جميع النشطاء والمهتمين بنضال الشعب العربي الأحوازي. بنا عليه مرة أخرى نؤكد على دعوة و التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز كل من يملك تفاصيل عن هذه الانتفاضة ليتم تجميعهن، وذلك من أجل الحفاظ على هذا الإرث من النضال و من أجل تخليد وتكريم ذكرى الشباب الذين فقدوا حياتهم في تلك السنوات أو خضعوا للسجن والتعذيب على يد جلاوزة النظام الإرهابي في طهران، و من أجل إحياء ذكرى تلك التضحيات الجسام لأبناء شعبنا. ولابد هنا أن نتقدم بالشكر والامتنان لكل من ساعدنا في إعداد هذا التقرير.

*قسم البحوث والدراسات في التيار الوطني العربي الديمقراطي فی الاحواز*

eh9

 

eh5

 

 

eh4

 

كافة حقوق النشر محفوظة لموقع بادماز. ما ينشر في هذا الموقع لايعبر بالضرورة عن موقف التيار الوطني العربي الديمقراطي في الاحواز.

الصعود لأعلى