تحلّ علينا الذكرى الحادية والعشرون لانتفاضة الخامس عشر من نيسان 2005، تلك الانتفاضة المجيدة التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ نضال شعبنا العربي الأحوازي، ونقطة تحول استراتيجية أعادت صياغة مسار الحركة الوطنية، ورسّخت حضور الجماهير كقوة فاعلة في معادلة الصراع.
إن هذه الانتفاضة لم تكن وليدة لحظة عابرة أو ردّ فعل مؤقت، بل جاءت نتيجة تراكم تاريخي طويل من السياسات البنيوية الممنهجة التي استهدفت الإنسان والأرض والبيئة والهوية في الأحواز. فقد عانى شعبنا لعقود من منظومة متكاملة من الإقصاء السياسي، حيث حُرم من حقه في المشاركة الحقيقية في إدارة شؤونه، وتم تهميشه داخل مؤسسات الحكم، في ظل غياب أي تمثيل يعكس إرادته الوطنية.
كما تجلّت هذه السياسات في مشاريع التغيير الديموغرافي الهادفة إلى تقليص الوجود العربي، عبر سياسات التهجير القسري، وتوطين جماعات سكانية من خارج الإقليم، وإعادة توزيع الأراضي بما يخدم أهدافاً سياسية واضحة. وترافقت هذه الإجراءات مع سياسات اقتصادية استنزفت ثروات الأحواز الطبيعية، في مقدمتها النفط والغاز والمياه، دون أن ينعكس ذلك على حياة أبناء الإقليم، الذين يعانون من الفقر والبطالة والتهميش التنموي.
وعلى المستوى الثقافي، واجه شعبنا محاولات ممنهجة لطمس هويته العربية، من خلال فرض سياسات لغوية وتعليمية تستهدف اللغة العربية، وتقييد المظاهر الثقافية، في محاولة لاقتلاع الإنسان الأحوازي من جذوره التاريخية والحضارية.
في هذا السياق المتفجّر، جاءت الوثيقة المسرّبة من مكتب الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، والتي كشفت بوضوح نوايا وسياسات تستهدف البنية السكانية للأحواز، لتشكّل لحظة كاشفة ومفصلية. وهنا برز الدور الريادي للتيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز، الذي بادر إلى الحصول على هذه الوثيقة، ونشرها في التوقيت المناسب، واضعاً الحقيقة أمام جماهير شعبنا، ومساهماً في تحويل الغضب الكامن إلى فعل جماهيري منظم.
لم يكن دور التيار مقتصراً على كشف الوثيقة، بل امتد إلى المساهمة الفاعلة في التخطيط للانتفاضة وإدارتها، ضمن رؤية استراتيجية قائمة على المقاومة الجماهيرية كخيار نضالي رئيسي. وقد آمن التيار بأن الجماهير، حين تمتلك الوعي والتنظيم، قادرة على فرض حضورها وتغيير موازين القوى، وهو ما تجلّى في اتساع رقعة الاحتجاجات وشمولها لمختلف مناطق الأحواز.
لقد دشّنت انتفاضة نيسان مرحلة جديدة من النضال الوطني، حيث كسرت حاجز الخوف، وأعادت الثقة للجماهير بقدرتها على الفعل، وأطلقت دينامية مستمرة من الحراك الشعبي الذي لم ينقطع رغم القمع والتضحيات. ومنذ ذلك الحين، يواصل شعبنا مسيرته النضالية بأشكال متعددة، مستنداً إلى إرث تلك الانتفاضة وروحها.
وفي هذه الذكرى الخالدة، نستحضر بكل فخر واعتزاز ذكرى الشهيد محمد شريف النواصري (أبو وائل)، أحد أبرز مؤسسي التيار الوطني العربي الديمقراطي في الأحواز، وأحد الرموز النضالية التي أسهمت بوعيها والتزامها في ترسيخ نهج المقاومة الجماهيرية وصياغة ملامح المشروع الوطني. لقد كان الشهيد أبو وائل مثالاً للمناضل الذي جمع بين الرؤية السياسية والعمل الميداني، وأسهم بدور فاعل في بناء الوعي الوطني وتنظيم الصفوف في مرحلة دقيقة من تاريخ شعبنا.
الشهيد محمد شريف النواصري
إن إحياء ذكراه في هذه المناسبة ليس مجرد استذكار لشخصه، بل هو استحضار لقيم التضحية والعطاء التي جسّدها، وتأكيد على استمرار النهج الذي ناضل من أجله. وستبقى سيرته مصدر إلهام للأجيال، ودليلاً على أن النضال المتجذر في إرادة الشعوب لا يمكن أن ينكسر.
إن التيار الوطني العربي الديمقراطي، وهو يستحضر هذه الذكرى، يؤكد أن هدفه الاستراتيجي يتمثل في تمكين شعبنا العربي الأحوازي من ممارسة حقه غير القابل للتصرف في تقرير مصيره، وفقاً للمواثيق الدولية ومبادئ العدالة والحرية. ويرى التيار أن هذا الحق يشكّل الإطار الجامع لنضال شعبنا، والضامن لإنهاء عقود من التهميش والاضطهاد.
كما يجدد التيار التزامه بخيار المقاومة الجماهيرية المنظمة، والعمل على تطوير أدواتها، وتعزيز وحدة الصف الوطني، وبناء تحالفات قائمة على احترام إرادة شعبنا وحقوقه. ويؤكد في هذا السياق على الأهمية الوطنية للدور الذي تضطلع به الهيئة التنسيقية للتنظيمات الأحوازية، باعتبارها إطاراً جامعاً لتوحيد الجهود، وتنسيق المواقف، وتعزيز العمل المشترك بين القوى الوطنية بما يخدم قضية شعبنا وأهدافه في الحرية وتقرير المصير. ويدعو في الوقت ذاته إلى توسيع دائرة التضامن الإقليمي والدولي مع قضية شعبنا، وفضح السياسات التي يتعرض لها.
وفي هذه الذكرى، ننحني إجلالاً لأرواح شهدائنا، ونحيّي صمود أسرهم، ونوجّه تحية اعتزاز وإكبار إلى أسرانا الأحوازيين الذين يقبعون في سجون النظام الإيراني الإجرامي، لما يجسّدونه من ثبات وصمود في وجه القمع، ونؤكد أن دماء الشهداء وتضحيات الأسرى ستبقى نبراساً يهدي مسيرتنا نحو الحرية. كما نوجّه التحية إلى جماهير شعبنا الصامدة، التي تواصل نضالها بإصرار وثبات، مؤمنة بعدالة قضيتها.
إن انتفاضة 15 نيسان ستبقى حيّة في وجدان شعبنا، بوصفها بداية لمرحلة جديدة من الوعي والفعل، ومحطة أساسية على طريق الحرية وتقرير المصير.
المزيد من القصص
الهيئة التنسيقية للتنظيمات الأحوازية تعقد مؤتمرها في لندن بمناسبة الذكرى الـ101 لاحتلال الأحواز وتعلن تغيير اسمها إلى “المجلس التنسيقي”
تقرير حول المظاهرة الأحوازية المركزية في لندن بمناسبة الذكرى الـ101 لاحتلال الأحواز
بيان صادر عن الهيئة التنسيقية للتنظيمات الأحوازية بمناسبة الذكرى السنوية لانتفاضة 15 نيسان 2005