تتحوّل الأحواز يوماً بعد يوم إلى مسرح مأساوي يتكرّر فيه مشهد خسارة شبابنا عبر الانتحار، في سياق ليس فردياً ولا مرتبطاً باليأس المفاجئ كما تحاول سلطات الاحتلال الإيراني تصويره، بل نتيجة مباشرة ومركّبة لسياسات إفقار ممنهجة، وتهميش اقتصادي واجتماعي متعمّد يستهدف وجود شعب بكامله. هذه الظاهرة المؤلمة ليست معزولة؛ إنها مرآة لواقع الاحتلال الذي يخنق الإنسان الأحوازي ويحاصره في لقمة عيشه وحقوقه الأساسية.
أحمد البالدي
لقد فجّرت حادثة الشاب أحمد بالدي في أول يوم من نوفمبر 2025 موجة من الغضب والحزن في الأحواز، بعد أن أضرم النار في نفسه احتجاجاً على مصادرة وتخريب كشك والده، وهو مصدر رزق الأسرة الوحيد. كان أحمد طالباً جامعياً يحاول أن يحمل مستقبله بيد، ويساند أسرته باليد الأخرى، لكن الحدث دمّر التوازن الهش الذي كان يقاتل للحفاظ عليه.
الكشك لم يكن مجرد كيان خشبي، بل كان آخر خيط يربط الأسرة بالاستقرار. وحين قطعه النظام، قطع معه أمل الشاب في مستقبل أقل قسوة. وفي قرار يائس لكنه احتجاجي في جوهره، اختار أحمد أن يجعل جسده صرخة نارية في وجه الظلم الذي حاصر عائلته.
لم يمضِ يومٌ واحد على وقوع تلك المأساة حتى صُدمنا بخبر انتحار الشاب كمال البالدي، البالغ من العمر 26 عاماً. كمال، المتزوج وأب لطفلة صغيرة، كان يعمل مع مقاول في شركة فولاذ الأحواز، لكنّ تسريحه من العمل وما تبع ذلك من فقرٍ وضيق حالٍ وفقدانٍ كامل للاستقرار الوظيفي دفعاه إلى اتخاذ قراره المأساوي في 2 نوفمبر 2025.
كمال البالدي
وهذه الحوادث ليست سوى حلقة في سلسلة طويلة من المآسي التي تشهدها الأحواز. فقد سبق أحمدَ الشابُ يونس عساكرة، الذي أضرم النار في نفسه في مارس 2015 بمدينة المحمرة، بعدما صادرت قوات الاحتلال عربته التي كان يعتاش منها. كانت تلك الحادثة إنذاراً مبكّراً لما سيأتي لاحقاً، لكن الاحتلال تجاهل الرسالة، واستمر بسياساته التي تعمّق الفقر والتهميش.
ومع مرور السنوات، تتراكم الشواهد، وتزداد الأرقام بصورة تُظهر نمطاً ممنهجاً لا يمكن إنكاره. الأمثلة في هذا المجال كثيرة، وعلى سبيل المثال لا الحصر:
رعد سيلاوي (50 عاماً)، من أهالي قرية الغيزانية، انتحر في 20 أكتوبر 2025 بعد إخراجه من شركة النفط التي كان يعمل فيها. رجل في الخمسين يُدفَع إلى الانتحار لأنه حُرم من مصدر رزقه بعد عمر قضاه في العمل.
محمد غراوي، من مدينة الفلاحية، أضرم النار في نفسه في أغسطس 2025 بعد أن ضاقت به سبل العيش.
رضا الساري (25 عاماً) انتحر في أبريل 2025، وهو في سن يفترض أن يكون فيه في بداية حياته المهنية، لكنه لم يجد فرصة واحدة.
فرزاد جلالي (25 عاماً) وعباس فريسات (27 عاماً) من أهالي مدينة الخفاجية، انتحرا خلال عام 2025 في ظروف مشابهة تجمع بين البطالة والقهر الاقتصادي.
طارق الخالدي من مدينة الخلفية، انتحر في 19 مايو 2023 بسبب الفقر وعدم استلام راتبه لعدة شهور، وهو مثال صارخ على استغلال العمال وعدم دفع أجورهم.
عباس منصوري (19 عاماً)، انتحر في 11 ديسمبر 2022 بعد إطلاق سراحه من السجن. كان معتقلاً بسبب مشاركته في الاحتجاجات، وبعد خروجه وجد نفسه محاصراً نفسياً واجتماعياً واقتصادياً.
كل هذه الحوادث، على اختلاف تفاصيلها، تشترك في جذور واحدة:
سياسات إقصائية،
نظام يضرب الاقتصاد المحلي،
تمييز ممنهج ضد العرب الأحوازيين في سوق العمل،
غياب أي حماية اجتماعية أو قانونية،
واستهداف مباشر لمصادر دخل الأسر.
وفي خضم هذه المحنة، تبرز حقيقة واضحة: النظام الإيراني يستخدم الإفقار كسلاح. فهو يحرم الشباب من الوظائف، ويهدم المشاريع الصغيرة، ويخنق التجار، ويوقف الرواتب، ثم يقدم رواية “مشكلات نفسية” لتبرير انتحارهم. لكن الواقع في الأحواز ـ بكل تفاصيله المؤلمة ـ يفضح هذه الرواية الرسمية.
إنّ ازدياد حالات الانتحار بين الشباب الأحوازي ليس علامة ضعف، بل علامة على عمق الجرح الذي أحدثته سياسات الاحتلال. هؤلاء الشباب لم يبحثوا عن الموت، بل كانوا يبحثون عن حياة كريمة. لكنهم وجدوا أنفسهم في طريق مسدود، بين بطالة تقتل الأمل، وفقر يهدم الأسر، وقمع ينزع آخر مساحة للتعبير.
ومن واجبنا كناشطين أحوازيين أن نُظهر للعالم الحقيقة كاملة: هذه الأرواح ليست مجرد أرقام، بل قصص ظلم حيّة، وصوت احتجاج صامت، وصدى لألم طويل لم يتوقف. علينا أن نرفع صوتنا نيابةً عنهم، وأن نواصل فضح السياسات التي أوصلتهم إلى هذا المصير، وأن نعمل بكل ما نستطيع من أجل بناء دعم اجتماعي، وتسليط الضوء على المعاناة المتفاقمة، والدفاع عن حقهم في حياة كريمة آمنة.
فكلما رحل شهيد من ضحايا الفقر والقهر، يزداد عزمنا على كشف الحقيقة ومواجهة الظلم، حتى لا يُدفَع شاب آخر إلى أن يجعل من جسده وسيلة تعبير أخيرة.